حبيب الله الهاشمي الخوئي
113
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
هيهات هيهات ، قد باينتك ثلاثا لا رجعة لي فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك حقير آه من قلَّة الزاد ، وبعد السّفر ، ووحشة الطريق ، فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا حسن ، كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار قال : حزن من ذبح ولدها في حجرها . أقول : من أخبث مكائد معاوية بعد تسلَّطه على الكوفة وسيطرته على أصحاب أمير المؤمنين أن يجلبهم إلى الشّام بشتّى الوسائل من دعوة وديّة أو تهريب من ظلم عمّاله أو تهديد أو غير ذلك من الوسائل ثمّ يحضرهم في حفلته الغاصّة بالرّجال ويسألهم عن وصف عليّ عليه السّلام حتّى يذكروا له عيبا بحضرة الناس ويتّهموه فيستفيد من كلامهم لتأييد سياسته . وممّن وقع في حبالته ضرار بن ضمرة وكان من خواصّ عليّ ومن أهل الزهد والعبادة فأمره بتوصيف عليّ عليه السّلام ، وقد وصفه ضرار بهذا الوصف البالغ في الخطورة من نواح شتّى ، معرضا بذلك على معاوية وناصحا وواعظا له ، ونشير إلى بعض ما ذكره رضوان الله عليه : افتتح ضرار رضوان الله عليه توصيفه لعليّ عليه السّلام بأنّه ( كان بعيد المدى ) أي عالي الهمّة ناظر إلى المعالي القدسيّة ، وتارك للأهواء الخسيسة المادّية مع شدّة قواه المعنوية ، ونواياه الملكوتية ، وكأنه إشارة إلى قوله تعالى في سورة النجم « علَّمه شديد القوى » وهو وصف جبرئيل حامل الوحي إلى النّبيّ صلَّى الله عليه وآله ( يقول : فصلا ) أي ينطق بما هو الحقّ الصّريح ، مأخوذا من الوحي الصحيح وكأنه إشارة إلى قوله تعالى في سورة الطَّارق * ( « إِنَّه ُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ » ) * وكان يحكم بالعدل لا يخالطه جور وباطل ، منبع ذخّار للعلم قولا وعملا وبحر ضخم للحكمة من كلّ ناحية ، زاهد في الدّنيا متنفّر عنها ، يطلب الخلوة والانعزال عن أهل الدّنيا فيأوي إلى اللَّيل ووحشته ، هذه صفاته المعنوية العقليّة والوجدانيّة . ثمّ شرع في وصفه الظاهر فقال : يبكي ويسيل الدّموع الغزيرة من خوف الله